أحمد ايبش
81
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
الغوطة قيل هي قصبة دمشق ، وقيل هو موضع متّصل بدمشق من جهة باب الفراديس ، جبال ومزارع « 1 » . وطول الغوطة مرحلتان في عرض مرحلة ، وبها ضياع كالمدن وجامع قريب الشّبه بجامع دمشق « 2 » . والغوطة أشجار وأنهار ومياه محدقة تشقّ البساتين ، وبها من أنواع الفواكه ما لا يحيط به تحصيل ، خصبا وطيبا . وفي الخبر أن معاوية رضي اللّه عنه لمّا رأى القتل في أهل الشام يوم صفّين ، وكلب أهل العراق عليهم ، تجهّم لنعمان بن جبلة التّنوخي ، وكان صاحب راية قومه من تنوخ وبهراء ، وقال له : « واللّه لقد هممت أن أولّي قومك من هو خير منك مقاما وأنصح جيبا » . فقال له النّعمان : « إنّا لو كنا ندعو إلى حيس مجموع لكان في الرّجال بعض الأناة ، فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة وردينيّة شارعة ، وقوم ذوي بصائر نافذة ؟ واللّه لقد نصحتك على نفسي ، وآثرت ملكك على ديني ، وتركت لهواك الرّشد وأنا أعرفه ، وحدت عن الحقّ وأنا أبصره ، وما وفقت لرشدي حين أقاتل عن ملكك ابن عمّ رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأوّل مؤمن به ومهاجر معه ، لو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرّعيّة ، وأجزل في العطيّة ، ولكن قد بذلنا لك أمرا لا بدّ من إتمامه ، غيّا كان أو رشدا ، وحاشا أن يكون رشدا . وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا ثمار الجنّة وأنهارها » . وخرج إلى قومه وصمد للحرب .
--> ( 1 ) هذا دليل واضح على أن المؤلف لم يزر دمشق أصلا ، فكلمة « قيل » أولا تفيد بذلك صراحة ، ثم قوله إن بالغوطة جبالا ومزارع يدلّ على أن من مدّه بوصف دمشق كان يجهل طبوغرافية الغوطة ، التي تمتدّ بسهل لحقي منبسط حتى أكناف البادية . أما إن كان في قوله إشارة إلى أرباض دمشق الشمالية ، من بساتين شرقي الصالحية ( أبو جرش في أيامنا ) وما والاها كبرزة وحرنة ومعربا إلى منين والتلّ ، فهذا ممّا لا يدخل في حدود الغوطة أصلا . ويذكر البدري ، لاحقا في كتابنا هذا ، أن بساتين شرقي الصالحية كانت تعرف في ذلك العصر باسم : أراضي المزارع . ( 2 ) يلوح لنا أن المقصود به إما مسجد دوما أو عربين ، المشهورين منذ القدم بكبرهما .